مقاومة ساتوشي الرقمية والمقاومة: حبل نجاة؟

بإمكاننا، لا بل يتوجّب علينا، بناء الجمهورية اللبنانية الخامسة على البلوكتْشِين وعلى ورقة ساتوشي ناكاموتو البيضاء لعام 2008. بلد مزّقته عقود من سوء الإدارة والحوكمة، والطائفية السياسية والمؤسسات الدينية (وليس الدين)، والهيمنة الاقتصادية العربية والأجنبية، وانهيار النظام المصرفي المجرم أصلاً، لم يعد لديه سوى مخرج واحد: التخلي عن الليرة اللبنانية، رفض الهيمنة الخارجية، واعتماد ثورة مالية لا مركزية. الحل؟ «الفرَنْقي»، وهو فرنك فينيقي مشفّر، وطني و، نعم، مقاوم.
قبل المضي بشرح فوائد هذه العملة الوطنية، علينا أن نستوعب في أي مستنقع يعيش لبنان حالياً. الولايات المتحدة، تحت قيادة «الرأس البرتقالي» ومن جاء قبله، تمر في لحظة ألبانية على طريقة أنور خوجة، ديكتاتور ألبانيا حتى عام 1991. عزلة دولية عدائية، تعرفات جمركية، وسياسة متقوقعة. طبعاً الفارق أن ألبانيا كانت ولا تزال بلا تأثير يُذكر في الشؤون العالمية، بينما أميركا هي المحرك الذي هز، ولا يزال يهز، أو يدمر، الاقتصاد السياسي العالمي. وفي قلب هذه الكرة المدمرة يقف الدولار، مستنداً إلى عكازات الهيمنة العالمية المفروضة بالقوة، حرفياً. رغم المنافع المفترضة لإستراتيجية دول البريكس في التعامل بعملة تقليدية جديدة أو عملات غير الدولار، هي لا تشكّل حلاً جذرياً لدوامة السيطرة العالمية، أياً كان الطرف المسيطر. ماذا بإمكان اقتصادٍ هزيلٍ زائف مثل اقتصاد لبنان، الذي يتظاهر بأنه دولة، أن يفعل قبل أن تنهي سحقه الثيران الهائجة في الداخل والمنطقة والعالم؟
عملة وطنية رقمية مربوطة بالبيتكُويْن (و/أو الإيثريوم لسرعته)، مصممة لتجاوز السيطرة المالية الغربية وتحرير لبنان من قبضة البنوك والاحتكارات. عملة ديناميكية لكل المعاملات الاقتصادية والاستهلاكية، على البلوكتْشِين: من شراء الطعام وإصدار بطاقة هوية ودفع فاتورة إنترنت، إلى اشتراك هاتف وتسجيل سيارة و، طبعاً، إدارة حساب مصرفي. يجب أن يصبح الاقتصاد اللبناني رقمياً مشفراً بالكامل لضمان السيادة المالية والوطنية.
هذا ليس خيالاً. البيتكوين وُلِد كمقاومة ضد السلطة المالية المركزية. لبنان، بعد انهياره التام، يمكنه الآن الاستفادة من هذه المقاومة لإعادة بناء اقتصاده وفقاً لشروطه الخاصة.
العملات المشفرة مقاومة اقتصادية بامتياز. الاقتصاد القائم على البلوكتْشِين لا يتعلق فقط بتجنّب الانهيار، بل هو رد فعل ضد الحرب الاقتصادية. انهار القطاع المصرفي اللبناني في 2019، لكن الفساد الممنهج (الذي سبقه فساد خجول) بدأ قبل ذلك بعقود، منذ عام 1993، تحت الإدارة المستمرة لرياض سلامة الذي أرسى أسس نظام مالي احتيالي. في الوقت نفسه، يستخدم الغرب الدولار كسلاح للهيمنة، بينما خططت إسرائيل بعد عام 2006 لحرب مدعومة بالذكاء الاصطناعي في 2024، بعد اختراق الأمن القومي اللبناني للبيانات.
عودة إلى الحل: استقلال رقمي وخطة تنفيذ مبنية على اقتصاد مشفّر حقيقي، تكون بدايته في إطلاق الفرَنْقي كبديل عملي. أولاً، يجب تطوير محافظ رقمية، «ديجيتال والِت»، مدعومة من البنك المركزي اللبناني لضمان الأمان وسهولة الاستخدام. ثانياً، توفير حلول دفع رقمية من دون إنترنت (أوفلاين) للمناطق النائية. ثالثاً، إنشاء أجهزة صراف آلي للفرَنْقي، بالتكامل مع نظام «لايتنينغ نتوُورك» للمعاملات السريعة والآمنة.
هذه ليست قضية أيديولوجية، إنها معركة وجودية. هكذا نصون سرية بياناتنا الوطنية ونسحب ورقة الجوكر من أيدي الصهاينة ومن يدعمهم من عرب وغرب
يليها خطة تعليم وتحفيز وتطبيع، عبارة عن حملات لتثقيف المواطنين والشركات حول كيفية استخدام الفرَنْقي بأمان، من دون أن يصبح بالضرورة كل مستهلك خبيراً في مفاهيم البلوكتْشِين المعقدة. نضيف إلى ذلك تقديم حوافز ضريبية للشركات التي تعتمد الدفع بالعملات المشفّرة، وجعل رواتب القطاع العام والمدفوعات الحكومية متوافقة مع العملات المشفّرة لتعزيز الاستخدام.
توظيف خبرات محلية، وهي كثيرة، في البنك المركزي، تعمل على تقليل التقلبات وبناء الثقة، عن طريق ربط الفرَنْقي بالثروات الوطنية الفعلية للبنان للحفاظ على استقراره، بما فيها ثروته الزراعية، السياحية، وقطاع الطاقة المستقبلي. طبعاً يتوجب السماح بازدواجية التداول مرحلياً في الدولار الأميركي والفرَنْقي بين المستهلكين والشركات من دون فرض أي قيود، مع حصرية الفرَنْقي تدريجياً مع الوقت. وللتأكيد على صلابة الأرضية المالية، يجب وضع حد أقصى لإجمالي المعروض من الفرَنْقي، على غرار سقف البيتكُويْن البالغ 21 مليوناً، لضمان عدم التلاعب بالعملة الوطنية الرقمية.
أخيراً، تؤكد الخطة الإستراتيجية على تحويل لبنان إلى أحد المراكز العالمية للعملات المشفرة، يتبلور بجذب الاستثمارات عبر إنشاء «مدينة الفرَنْقي» كمركز إقليمي للابتكار في البلوكتشين والتكنولوجيا المالية، إضافة إلى إصدار سندات رقمية مدعومة بالبيتكُويْن والفرَنْقي لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية. وأهم نتائج هذا الجزء الإستراتيجي من الخطة هو رفض إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، آخره جملة واضحة وصريحة: إلى الجحيم بكم.
طبعاً الخطة لا تقوم من دون نفض السجاد اللبناني الوسخ نفضة لها أول وما لها آخر، تجهيزاً لدورة اقتصادية وسياسية باهرة ما بعد العملات المشفرة: إنهاء احتكار الأوليغارشية. الاستقلال المالي لا معنى له إذا بقي لبنان رهينة لزعماء الميليشيات ومن يدور في فلكهم من شبكات احتكارية. يجب تدمير احتكارات الوكلاء الحصريين، من الاتصالات والطاقة إلى الحديد والترابة والسيارات على سبيل المثال ولا الحصر، لإنهاء سيطرة النخب الفاسدة على الاقتصاد. ويجب إعادة أموال المودعين إلى أصحابها. لا مزيد من نهب المال العام.
معركة الاحتلال الاقتصادي والسياسي بدأت منذ «استقلال» الـ 1943، وشقها العسكري منذ عام 1948 المشؤوم، معركة لن تنتهي إلا بإحلال المقاومة الرقمية المبنية على سيادة المقاومة اللبنانية، التي أثبتت قوتها في ساحة المعركة على معيار النسبة 60:1 (ستين في واحد): كل ستين جندياً مرتزقاً إسرائيلياً تقابله فعالية مقاوم لبناني واحد على الحدود. لكن استكمال الحرب القادمة (التي نفذتها إسرائيل وخلفها قوى «الناتو» في 2024 بعد أعوام من التحضير منذ خرق بيانات السجل الوطني مع بداية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان) ستُحسم عبر البيانات والعملات الرقمية والسيادة الاقتصادية. هذه ليست قضية أيديولوجية، إنها معركة وجودية. هكذا نصون سرية بياناتنا الوطنية ونسحب ورقة الجوكر من أيدي الصهاينة ومن يدعمهم من عرب وغرب.
معظم سياسيي البلد، وهم فعلياً أصحاب مصالح بيزنيس وليسوا رجالات أو نساء دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، رغم خلافاتهم العقيمة وجهلهم الفاضح، لا يُشكلون سوى صفر كبير عديم الجدوى، مجرد نقطة على السطر في نهاية الجملة. ولكن إذا كان هناك طرف محلي واحد يُعتَبر لاعباً جاداً في الشؤون الإقليمية وقادراً على حماية مصالح البلاد، فهو المقاومة اللبنانية. رغم تراجع نفوذها في عام 2024، إلا أنها لا تزال قوة مؤثرة يمكن للبنانيين التعويل عليها في انتزاع مقعد على طاولة الاقتصاد والسياسة الواقعية.
لدى لبنان فرصة قصيرة لإعادة ابتكار نفسه قبل أن يُمحى من الخريطة الجيوسياسية. النظام القديم لم ينتهِ، لا بل نراه عوداً على بدء يدور في الحلقة الأميركية المفرغة. السؤال الوحيد المتبقي ينمّ عن تحذير أخير: التكيّف والسيادة والكرامة، أو الانهيار والتطبيع والذل. هل سيحتضن لبنان الثورة الرقمية، أم سيظل مقيداً بأطلال الماضي؟ الخيار واضح. والوقت ينفد. هل من يسمع بين منظري ومستشاري الأمن القومي الذين يدورون في فلك رئيس الجمهورية ورئيس حكومته؟
* كاتب لبناني
